عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
396
الذيل على طبقات الحنابلة
عند مجيء التتر سنة من السنين ، وتلا عليهم آيات الجهاد ، وقال : إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله ، والذبِّ عنهم ، فإن الله تعالى يقيم لهمِ من ينصرهم غيركم ، ويستبدل بكم سواكم . وتلا قوله تعالى : " وَإنْ تتولوا يَسْتَبْدِل قوماً غيرَكْم ثُمَ لاَ يكُونُوا أمْثَالَكم " " محمد : 38 " وقوله تعالى : " إلا تَنْفرُوا يُعَذِّبْكم عَذَاباً ألِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيرَكم وَلاَ تَضُروهُ " " التوبة : 120 " . وبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد - وكان هو القاضي حينئذ - فاستحسن ذلك ، وأعجبه هذا الاستنباط ، وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام . وأما مِحَنُ الشيخ : فكثيرة ، وشرحها يطول جداً . وقد اعتقله مرة بعض نواب السلطان بالشام قليلاً ، بسبب قيامه على نصراني سب الرسول صلى الله عليه وسلم ، واعتقل معه الشيخ زين الدين الفاروقي ، ثم أطلقهما مكرمين . ولما صنف المسألة " الحموية " في الصفات : شنع بها جماعة ، ونودي عليها الأسواق على قصبة ، وأن لا يستفتى من جهة بعض القَضاة الحنفية . ثم أنتصر للشيخ بعض الولاة ، ولم يكن في البلد حينئذ نائب ، وضُرب المنادي وبعض من معه ، وسكن الأمر . ثم امتحن سنة خمس وسبعمائة بالسؤال عن معتقده بأمر السلطان . فجمع نائبة القضاة والعلماء بالقصر ، وأحضر الشيخ ، وسأله عن ذلك ؟ فبعث الشيخ من أحضر داره " العقيدة الواسطية " فقرؤوها في ثلاث مجالس ، وحاقَقُوه ، وبحثوا معه ، ووقع الاتفاق . بعد ذلك على أن هذه عقيدة سُنية سلفية ، فمنهم من قال ذلك طوعاً ، ومنهم من قاله كرهاً . وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه : إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف .